السيد محمد باقر الصدر

374

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

الإسلام من هذا المنطق - الذي يردّ كلّ وعي وفكرة إلى تطوّر الإنتاج - هازئاً ؛ لأ نّه استطاع أن يرفع لواء المساواة ، وأن يفجّر في الإنسانيّة وعياً صحيحاً وإدراكاً شاملًا ، واستطاع أيضاً أن يعكس جوهرها في واقع العلاقات الاجتماعيّة بدرجة لم تصل إليها البورجوازيّة ، استطاع أن يقوم بذلك كلّه قبل أن يأذن اللَّه بظهور الطبقة البورجوازيّة ، وقبل أن توجد شروطها المادّية بعشرة قرون ، فقد نادى بالمساواة يوم لم تكن قد وجدت الآلة ، فقال : « كلّكم لآدم وآدم من تراب » « 1 » ، و « الناس سواسية كأسنان المشط » « 2 » ، « لا فضل لعربي على أعجمي إلّابالتقوى » « 3 » . فهل استوحى المجتمع الإسلامي هذه المساواة من وسائل الإنتاج البورجوازي التي لم تظهر إلّابعد ذلك بألف سنة ؟ ! أو استوحاها من وسائل الزراعة والتجارة البدائيّة التي كان المجتمع الحجازي يعيش عليها ، وهي وسائل كانت توجد بدرجة أكثر نموّاً وأعظم تطوّراً في مجتمعات عربيّة وعالميّة أخرى ؟ ! فلماذا أوحت إلى المجتمع الحجازي بفكرة المساواة ، وجنّدته للقيام بأروع دور تاريخي في سبيل تحقيق هذه الفكرة ، ولم تصنع نظير ذلك مع المجتمعات العربيّة في اليمن أو الحيرة أو الشام ؟ ! وتحدّى الإسلام أيضاً حسابات الماديّة التاريخيّة مرّةً أخرى ، فبشّر بمجتمع عالمي يجمع الإنسانيّة كلّها على صعيد واحد ، وعمل جاهداً في سبيل تحقيق هذه الفكرة في بيئة كانت تضجّ بالصراع القبلي ، وتزخر بآلاف المجتمعات

--> ( 1 ) تحف العقول : 34 ( 2 ) تحف العقول : 368 ، وفيه : « سواء » بدل « سواسية » ( 3 ) كنز العمّال 3 : 93 ، الحديث 5652 ، مع اختلافٍ يسير